
بلند الحيدري، مجلة العربي، عدد 450 ماي 1996
أذكر أنني وقعت قبل سنوات عديدة خلت، على قول للدكتور طه حسين يصحح به سوء ظنة أخذت الكاتب الفرنسي "أندريه جيد" بالإسلام فيقول له: "لقد عرفت المسلمين ولم تعرف الإسلام"، ومثل هؤلاء المسلمين الذين عرفهم "أندريه جيد"، فقاس الإسلام على مقاساتهم الضيقة، عرفناهم في غير فترة من فترات تاريخنا، وعرفنا مدى ما عانى الإسلام منهم، ومدى ما عانينا ومدى ما سنعاني، بأثر من تزمتهم وحرصهم على تحنيطه وتأطيره في جمل مأثورة حولوها إلى أسيجة من قوانين ثابتة لا يطولها زمن جديد أو واقع جديد وعلينا ألا نخرج عنها ولا عليها ولا أن نسعى لإدراك أنفسنا في الذي جد على واقعنا في عصرنا من جديد لكي نتطور به ويتطور بنا.
لقد خرج الإسلام من البادية العربية، عقيدة، تفاعلت مع عقائد أخرى ضمن ما يشد ما بين العاجلة والآجلة من وشائج لا يعود بها العدم المحيط بالإنسان فراغا هملا، بل رؤية ظنية مملوءة بكل ما نهابه في الرهبة من الجحيم، وما نرجوه في الرغبة من الجنة، ومما جعل من حياتنا في الأرض مسربا إلى واحدة منهما، شأنه في ذلك شأن ما سبقه من العقائد، التي استلهم منها شيئا وأضاف إليها أشياء ليتمم للناس دينهم، غير أن الإسلام الذي خرج من البادية عقيدة، سرعان ما صار حكما ودولة وقوانين وشرائع، لا يمكن أن يستتب بها مفهوم حضاري ما لم تدرك نفسها في عصرها، ولنا في المائة سنة الأولى من عمر الإسلام ما نحتج به شهادة له، فقد كان على مقربة من حضارتين اغتنتا بما كان لهما، ثم اعتراهما الهرم، وإن عليه أن يفيد منهما، فمد بيديه إليهما مستلفا ما يمكن أن يصبح من بعض تراثه، بعد أن يحور فيهما إلى ما لا يخرج به على جوهر عقيدته وسنته، وأن القرآن إذ أوسع لغته للعديد من لغات القبائل، أوسع كذلك المجال وسعا لاستضافة العديد من المفردات الأجنبية، كما يشير إلى ذلك كتاب "اللغات في القرآن" المسنود إلى عبدالله بن عباس الملقب بحبر الأمة - توفي عام 687م -، ويؤكده بدر الدين الزركشي - توفي 1392م - في كتابه "البرهان في علوم القرآن" بكونها ألفاظا جاءت "بغير لسان العرب في الأصل فلما لفظت بها العرب بألسنتها فعربتها صارت عربية، فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل"، وذهب أبوعلي الفارسي - توفي عام 987م -، من الرؤية إلى ما يقوم قانونا في الانفتاح على لغات الآخرين إذ قال: "فكل ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب" وبقدر ما اتصل الأمر بالقرآن، من شأن في اللغة العربية وشأن في الكتابة والخط العربي، بقدر ما اتسعت اللغة واغتنت واستقامت لها مقومات جديدة، وبقدر ما كان للخط أن ينتصر على ما يستعجم به الكلام، بالنقاط والحركات ثم بحسن الخط لأن الخط الحسن كما يقول الإمام علي "يزيد الحق وضوحا" ووصولا إلى ما يحقق المجانسة والمواءمة ما بين المعنى الجميل والشكل الجميل في الكلمة المسموعة والكلمة المطبوعة وحيثما كان للخط أن استقر ورحل كان يزيد بما وقع إليه رشاقة ورهافة، ويوم أن وصل إلى الصين أخذ من الخط الصيني ما زاده شفافية وخفة، وقل مثل ذلك يوم أن وصل الأندلس. وبقدر ما تطورت اللغة وتطور الخط بقدر ما صار لهما أن ينفتحا على الحضارات العالمية، وأصبح التنادي إلى الانفتاح من بعض روح المغامرة التي بشر بها النبي محمد في البحث عن "علم ينفع" وبما يتناسب مع خصائص الإنسان المسلم، وأن عليه أن يطلبه "ولو في الصين" وفي حديث آخر أن "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" وفي بعض الأثر ورد "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" ببعدي الكلمة في الحكم وفي السلطان بمعنى في الحجة في البرهان، وإن قدرة الإسلام على الانفتاح واستيعاب الحقائق المحيطة به والتفاعل معها، هي من بعض ما مهد لانتشاره، حتى أن المؤرخ الإسباني مانويل مورينو يقول في كتابه عن "الفن الإسلامي في إسبانيا" إن الحضارة العربية الإسلامية "فور أن تحتضن حضارة في أول الأمر، حتى يصير كل شيء عربيا بعد فترة قصيرة".
التراث والسياج
غير أن الأمر لم يكن كذلك دائما، فالثقة بالنفس إذا ضعفت، تحول مفهوم التراث إلى أسوار وأسيجة، وصار الانكفاء إلى داخله ضرورة تستلزمها حماية النفس، وصارت المبالغة في ذلك مسعى لتحويله إلى سجن وليس زاد طريق نستعين به للوصول إلى مراحل جديدة توائم ما بين عصرنا وواقعنا فيه، وأصبح لكل ما ورثناه حرمة لا تمس ولا تجس، فالتراث مشاجب علينا أن نعلق عليها جلابيب أجدادنا وكوفياتهم وأن نسجد أمامها كل يوم، حتى غدا من يقول منا بجديد نأخذه أو نستلفه من الحضارات الأخرى متهما في دينه وقوميته. وإذا كان الإمام علي قد أدرك أهمية تفاوت الأزمان من جيل إلى جيل في قوله "لا تعلموا أولادكم ما تعلمتم فقد ولدوا في زمن غير زماننا" فإن المتزمتين من المسلمين فرضوا على الناس ألا يعلموا أولادهم إلا ما تعلموا والويل والثبور لكل من يخرج على ذلك، وإذا كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالسؤال طريقا للمعرفة وكما ورد في بعض الأثر فإن "العلم خزائن ومفتاحها السؤال"، فإن التساؤل يجر إلى جريرة لا تغتفر، وقد أثر هذا الانكفاء إلى الداخل في جوانب متعددة من حياتنا الاجتماعية واستخدم الدين كأداة قمعية، توزعتها طبقات وإرادات ومصالح مختلفة وضمن رؤية سلفية حالت دون أن يتواصل المجتمع العربي حتى مع آثار علمائه، وإذا كانت بعض مآسينا على جانب كبير من الفداحة من كوننا ما زلنا نعيش في مجتمع متقوقع على ذاته، ويجتر ماضيه بنشوة قاتلة، وأن جميع تلفزيوناتنا وإذاعاتنا والكثير من صحفنا ومجلاتنا ما زالت مفتوحة، وعلى كل مصاريعها لمن يتنادون إلى قتل الحرية وخنق صوت المفكر الحر وأسر الكتاب المثير لأي تساؤلات، أقول إذا كانت بعض مآسينا متأتية عن ذلك، فإن ما هو أكبر فداحة ومأساوية هو أن نحرم حتى من السماح لنا بدراسة الجوانب الإيجابية في الإسلام والتي كانت من بعض مقومات نهضته في سنوات
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |